سيد قطب

86

في ظلال القرآن

يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ ! 81 - هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه الدعوى ، في صورة كلية من كليات التصور الإسلامي ، تنبع من فكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان : إن الجزاء من جنس العمل ، ووفق هذا العمل . « بَلى ! مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . . ولا بد أن نقف قليلا أمام ذلك التصوير الفني المعجز لحالة معنوية خاصة ، وأمام هذا الحكم الإلهي الجازم نكشف عن شيء من أسبابه وأسراره : « بَلى ! مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ . . » . . الخطيئة كسب ؟ إن المعنى الذهني المقصود هو اجتراح الخطيئة . ولكن التعبير يومئ إلى حالة نفسية معروفة . . إن الذي يجترح الخطيئة إنما يجترحها عادة وهو يلتذها ويستسيغها ؛ ويحسبها كسبا له - على معنى من المعاني - ولو أنها كانت كريهة في حسه ما اجترحها ، ولو كان يحس أنها خسارة ما أقدم عليها متحمسا ، وما تركها تملأ عليه نفسه ، وتحيط بعالمه ؛ لأنه خليق لو كرهها وأحس ما فيها من خسارة أن يهرب من ظلها - حتى لو اندفع لارتكابها - وأن يستغفر منها ، ويلوذ إلى كنف غير كنفها . وفي هذه الحالة لا تحيط به ، ولا تملأ عليه عالمه ، ولا تغلق عليه منافذ التوبة والتكفير . . وفي التعبير : « وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ » . . تجسيم لهذا المعنى . وهذه خاصية من خواص التعبير القرآني ، وسمة واضحة من سماته ؛ تجعل له وقعا في الحس يختلف عن وقع المعاني الذهنية المجردة ، والتعبيرات الذهنية التي لا ظل لها ولا حركة . وأي تعبير ذهني عن اللجاجة في الخطيئة ما كان ليشع مثل هذا الظل الذي يصور المجترح الآثم حبيس خطيئته : يعيش في إطارها ، ويتنفس في جوها ، ويحيا معها ولها . عندئذ . . عندما تغلق منافذ التوبة على النفس في سجن الخطيئة . . عندئذ يحق ذلك الجزاء العادل الحاسم : « فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . . 82 - ثم يتبع هذا الشطر بالشطر المقابل من الحكم . « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . . فمن مقتضيات الإيمان أن ينبثق من القلب في صورة العمل الصالح . . وهذا ما يجب أن يدركه من يدعون الإيمان . . وما أحوجنا - نحن الذين نقول إنا مسلمون - أن نستيقن هذه الحقيقة : أن الإيمان لا يكون حتى ينبثق منه العمل الصالح . فأما الذين يقولون : إنهم مسلمون ثم يفسدون في الأرض ، ويحاربون الصلاح في حقيقته الأولى وهي إقرار منهج اللّه في الأرض ، وشريعته في الحياة ، وأخلاقه في المجتمع ، فهؤلاء ليس لهم من الإيمان شيء ، وليس لهم من ثواب اللّه شيء ، وليس لهم من عذابه واق ولو تعلقوا بأمانيّ كأمانيّ اليهود التي بين اللّه لهم وللناس فيها هذا البيان . 83 - ثم يمضي السياق يحدث الجماعة المسلمة عن حال اليهود ، ومواقفهم التي يتجلى فيها العصيان والالتواء